جميعنا سمع من قبل عن نظام تحديد المواقع GPS، فهو يخبرنا عن اتجاهاتنا، "اتجه يمينًا، اتجه إلى اليسار قليلًا، سوف تصل وجهتك خلال دقيقتين"، كما يرشدنا إلى الطريق الأقل ازدحاماً، وكذلك يتيح لنا مشاركة موقعنا مع أصدقائنا، وبالتالي نشعر بأننا في آمان. كذلك يساعدنا في تعقب أعمالنا إذا كانت تتطلب ذلك حتى وإن كنا نتواجد في الصحراء أو في عرض البحر وأي كان ما تريده، فدائماً تقنية GPS هي حل الوصول لأي شيء وأي شخص. لقد شعر المستخدم العادي، كيف أن نظام GPS تقريبًا حل ذكي لكافة مشاكله، فهو الآن يستطيع أن يصل إلى أي مكان، بل وأنه يرشده إلى أفضل الطرق التي عليه اتخاذها لتجنب الزحام أو أعمال الإصلاح وغير ذلك.

ولكن ما لا يعرفه المستخدم العادي أن وراء هذا التطبيق هو مجموعة من الخوارزميات المعقدة للتأكد من حصوله على أفضل تجربة، ووصوله لوجهته المرغوبة. وقد تكون قد جربت تلك الخوارزميات من قبل، وتأكدت من دقتها، فهل تذكر المرة الأخيرة التي قررت فيها أن تتخذ طريق موازي للطريق الذي أرشدك له GPS، بالطبع لاحظت أن البرنامج حدث بياناته على الفور، ووجهك إلى الاتجاهات الجديدة حتى تصل إلى وجهتك الصحيحة في النهاية. فالدقة التي يتمتع بها هذا النظام هي مزيج من أداء GPS، والخوارزميات المستخدمة هي من أجل تحديد موقعك ورسم طرق افتراضية لإرشادك إلى وجهتك. فإذا أتيحت لك الفرصة للنظر إلى كيفية عمل GPS من أجل أن يؤدي مهمته على أكمل وجه، ربما قد تصاب بالرعب، فبدلًا من هذا الخط البرتقالي أو الأزرق الذي يظهر لك، ستجد الكثير من الرسوم والخطوط، ولن تفهم منها شيئًا. أما في حالة رسم مسارات الطائرات، فليس هناك أي طرق يمكنك اتخاذها، ولذلك ربما يراودك سؤال الآن: "ماذا عن استخدام GPS أثناء الطيران، فنحن حتى لا نعرف أين نكون؟ كيف يمكنه هو تحديد موقعنا بل وتوجيهنا إلى المسار الصحيح؟"


هناك الكثير من المزايا التي يمكنك الحصول عليها من نظام الملاحة الموجود في الطائرات بدون طيار، بل أكثر من مجرد تحديد المواقع بدقة!


هناك مصطلح في عالم الملاحة البحرية يعرف ب"PBN" والذي يشير إلى ضرورة أن تتبع الطائرات معايير محددة تتضمن تحقيق الدقة والنزاهة والشفافية فيما يخص المعلومات التي توفرها للمستخدم، هذا المعيار كذلك يوضح المتطلبات التي يجب أن تتوفر في أنظمة الملاحة مثل تكنولوجيا تحديد المواقع GPS والاتجاهات NIS، والتي قد تختلف طبقًا لطبيعة المجال الجوي الذي تحلق فيه الطائرة. فعلى سبيل المثال، أنت بحاجة إلى نظام ملاحة ذو كفاءة عالية حتى تصل إلى وجهتك وتغادرها بعد ذلك، سواء كانت الطائرة تحلق فوق صحراء أو محيط، ولذلك فأداء هذا النظام المرتبط بتقنية GPS يجب أن يحقق ثلاث معايير أساسية:

الدقة: فبلا أدنى شك، تحديد الموقع بدقة أهم عنصر يجب أن يتوفر في هذا النظام، والدقة هنا تعني مقارنة الوقت المحتسب للوصول إلى الوجهة من خلال الطريق الفعلي والطريق الافتراضي. ومن أجل تحقيق عنصر الدقة يكون هناك إحصائيات حسابية، بمعنى: إذا قلنا أن هذا النظام حقق معيار دقة "١ متر"، فهذا الكلام لا معنى له، ولكن يمكنك القول "أن هذا النظام كان دقيق بنسبة ٩٥% في إيصالك لوجهتك التي تبعد ١متر مقارنة بالوقت المحتسب". ومع ذلك تلك النسبة قد تكون مضللة عند تطبيقها في الواقع، لأننا هنا أمام سماء مفتوحة، وبالتالي فالوضع مختلف عند تطبيقه على الطرق والمناطق الحضرية.

الإتاحة: هو الوقت الذي يستغرقه النظام ليوفر لك المعلومات اللازمة لتحديد الموقع، وهذه ميزة تتيحها الإشارة التي تبثها الوحدات المسئولة عن GPS وتحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية SBAS، والجهاز المستقبل، كما تعتمد تلك الإشارة على الخصائص الفيزيائية والبيئية والإمكانيات التقنية لكل من أجهزة المرسل والمستقبل.

الاستمرارية: هو قدرة النظام الكلي على أداء وظيفته دون حدوث أي توقف أثناء قيامه بالعمليات المطلوبة من رصد الموقع وتحديد الاتجاهات، وهذا المعيار يشبه خاصية الإتاحة، والتي هدفها تحديد الموقع، فعلى سبيل المثال، قد لا تعجز خاصية الإتاحة عن تحديد الأماكن عند الانتقال من منطقة حضرية إلى أخرى ريفية أثناء الطيران.

الشفافية: واحدة من أهم المعايير التي يوفرها يجب توافرها في أنظمة الملاحة، ونعني بالشفافية هنا، أنه يمكنك الوثوق بكافة المعلومات التي يوفرها النظام، فما يجعل نظام ملاحة GPS مختلف عن غيره، هو أنه يسمح للمستهلك بمراقبة ما يريده والحصول على معلومات موثقة.

جهاز نظام الملاحة الموجود في الطائرات المسيرة - الدرونز - يقدم سبل متنوعة حتى يضمن استيفاء جميع المتطلبات بما يضمن الشفافية، وهذا يشمل استخدام بيانات دقيقة التي توفرها الأقمار الصناعية، وكذلك إجراء عمليات معالجة لتلك البيانات في مرحلة يطلق عليها "اكتشاف الأعطال والإقصاء". كما كان يجب إثبات صحة تلك الإشعارات التي تصل إلى شاشة البيانات، حيث أن انظمة تحديد المواقع الموجودة على الطائرات المسيرة - درونز - يُجرى عليها اختبارات قاسية في اكتشاف أي خطأ في البيانات التي يقدمها القمر الصناعي بنسبة تتجاوز٩٩.٩٥% مع القدرة على استبعاد كافة تلك البيانات مستقبلًا. وفي سبيل تحقيق كل تلك المتطلبات، كان لابد من اجتياز  كل تلك الاختبارات التي لم يستطيع أي مزود خدمة GPS أن ينجح بها، والتي تضمنت تنفيذ ٩٩ مليون سيناريو مختلف من أجل إثبات صدق وكفاءة الخوارزميات. والجدير بالذكر أن تلك الاختبارات لم تجرى في ظروف مثالية، بل على العكس، فقد صُممت تلك الاختبارات حتى تشكل ضغطاً على النظام من خلال وجود تشويش وضوضاء أثناء إجراء الاختبارات. ومن أجل التأكد من أن انظمة الملاحة الموجودة في الطائرات المسيرة - الدرونز - جديرة بالثقة، يتم إجراء اختبار آخر مُصمم خصيصاً وفقاً لمعايير السلامة الدولية المتفق عليها، والتي يرمز لها "DAL"، والتي تضمن توافر الدقة أثناء تطوير الجهاز، والتي تساعد في الحد من حدوث أي عيوب أثناء التصنيع. ونظراً لأهمية تحقيق معايير الشفافية، فتلك الاختبارات تستخدم نظام مراقبة "ADS-B" الفعال للتأكد من عنصر الدقة والسلامة.

بالإضافة إلى ما سبق، فهناك مقاييس أخرى أساسية تستخدم أثناء الاختبار للتأكد من دقة نظام الملاحة مثل مستوى كمالية السلامة (SIL) وسلامة تصميم النظام (SDA) حيث يرسل كلا من تلك الأنظمة إشعارات يتسلمها نظام مراقبة الحركة الجوية "AT" ونظام تجنب التصادم المروري (TCAS) وهكذا تخبرنا تلك الرسائل عن قدر الثقة في المعلومات التي نتلقاها عن موقع الطائرة، مقارنة بالمعلومات المتوفرة بالفعل. فمن الضروري أن يتحقق عنصر الشفافية بحيث يكون احتمالية حدوث خطأ أثناء تحديد موقع يبعد أكثر من ٣ كيلومترات عن مكان الطائرة أقل من مرة واحدة في كل ١٠مليون مرة محاولة لتحديد الموقع. وفي العموم، عندما نتحدث عن الشفافية فإننا نقصد الجودة التي تستخدم في تصنيع وإنتاج هذا الجهاز، وعندما نتحدث عن الدقة فإننا نعني المعلومات الإحصائية التي يوفرها الجهاز طيلة الوقت. أما عندما نتحدث عن الإتاحة والاستمرارية فكلاهما مرتبط بسهولة تثبيت الجهاز، ومدى كفاءة وحدة GPS وكذلك العوامل البيئية الأخرى، والتي تتضمن حالة المناخ ودقة الطرق الافتراضية ومدى مطابقتها للطرق الواقعية مثل كيفية التعامل مع المسارات ذات الرؤية غير الواضحة بسبب مباني شاهقة أو تضاريس مرتفعة. وبعيدًا عن الدقة، يمكن القول أن كافة تلك المعايير لا يمكن تطبيقها على أي أنظمة أخرى جاهزة وغير معدة خصيصاً للطائرات، أو أي أنظمة GPS غير مختصة برسم الاتجاهات للطائرات.

ماذا يمكننا أن نستفيد من كل ذلك؟

باختصار، لا تزال تحتاج أنظمة تحديد المواقع GPS والملاحة الجوية عامة سواء بوجود طيار أو دونه، إلى تطوير وتوفير نموذج مثالي لتقييم الأداء بناء على المعايير الأربعة التي ذكرتها سلفا، وليس فقط مجرد تحديد المواقع المنشودة بدقة. ولكن علينا أيضاً أن نكون أكثر أنفتاحاً من أجل فهم أنظمة GPS، فالأمر لا يتعلق بالدقة فقط دون وجود إمكانية التحليل الإحصائي، فتحديد تلك المعايير يجب أن يكون عمل مشترك على الأقل. فنظام GPS المستخدم في الطائرات المسيرة - الدرونز - يختلف اختلافاً كبيراً عن أنظمة GPS المتاحة في ساعاتنا الذكية وأجهزتنا المحمولة، ولا يمكن أن يعمل نظام الطائرات بدون طيار بكفاءة إذا استخدمنا GPS الموجود في هواتفنا. لو تحدثنا بالمنطق، فإنه يمكن القول أن مبادىء ومعايير أداء الطائرات غير المستقلة قد يتطابق مع معايير أداء الطائرات المستقلة، ولكن على أي حال فإن عمليات ما وراء خط البصر"BVLOS" لا يمكنها أن تنجح في ظل فشل نظام الملاحة الحالي في مواكبة التطور الذي حدث في أنظمة الطيران في الطائرات بدون طيار.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.